الأحد, يونيو 23, 2024
سير ذاتية

في احتفال مهرجان الإسكندرية بمئوية ميلاد توفيق الدقن: الجوانب الخفية وعلاقته بالإخوان المسلمين ملك الايفيهات

شارك المقال

نشر ابن شقيق الفنان الراحل توفيق الدقن عملاق الايفيهات في تاريخ السينما المصرية
الكاتب الصحفي رشدي الدقن عن عمه معلومات تنشر لأول مرة

من الجوانب الخفية فى حياة توفيق الدقن مسألة الإنتماء السياسى .. ورغم أن هذا الجزء لم يكن مطروحا بقوة إلا أن مواقف محددة للراحل الكبير تشير إلى فطرته السليمة ووطنيته فى اختيار مواقفه وانحيازه الدائم لكل ما هو مصرى وهى المواقف التى لم يزايد بها فى أى وقت من الاوقات.
لا يعلم الكثيرين أن جماعة الإخوان المسلمين حاولت بقوة ضم الفنان الكبير لها … وقتها كانت الخطة – والتى استمرت حتى الآن – ضم النجوم والمشاهير للجماعة لضمان المزيد من التأثير واقناع أعداد كبيرة بالإنضمام للجماعة.
فى بداية الأربعينات لجأت جماعة الإخوان لفكرة تبييض الوجه وأعلنت عن تأسيس فرقة مسرح بقيادة عبدالرحمن البنا شقيق مؤسس الجماعة لتقدم عروض فنية مستوحاه من التاريخ وتخدم فى الوقت نفسه على أهدافهم نحو الإنتشار والتوسع كخطوة نحو التمكين .


فرقة المسرح الإخوانية كان يرعاها ويعمل مستشارا لها سيد قطب والذى بدأ حياته ناقدا فنيا وأدبيا .. وقتها إلتقى بالفنان الكبير الراحل توفيق الدقن وطلب منه الإنضام للفرقة وأن يكون بطل المسرحية الجديدة … بأريحية شديدة وذكاء فطرى سأل الدقن عن البطولة النسائية .. ومن ستقف أمامه على خشبة المسرح … وكان الرد مفاجأة لا توجد بطولة نسائية وإذا كان ولابد وفيه دور لسيدة ممكن نلبس أى شاب من ولادنا ملابس امرأة ويقوم بالدور … كانت هذه إجابة سيد قطب على السؤال … بضحكته الشهيرة العالية رد توفيق الدقن .. وقال “دا ما يبقاش مسرح ولا فن” ورفض الإنضمام للفرقة رغم المبلغ الكبير جداً المعروض عليه للقيام ببطولة المسرحية .
فشلت محاولة الإخوان فى ضم توفيق الدقن لها عن طريق فرقتهم المسرحية ونجحت فى ضم آخرين ، رياضين و فنانين و سياسيين عملوا لها بوقا وقدموا للجماعة خدمات جليلة وأضروا بالشعب المصرى .
سعت جماعة الإخوان لتوفيق الدقن ولم تنجح وسعى هو إلى اليسار المصرى والذى كان مؤمناً به وبأفكاره ولم ينصفوه بالعكس عانى كثيراً من إتهامات باطلة أطلقها يساريين عليه هو والكاتب الكبير الراحل يوسف إدريس وتحديداً بعد عرض مسرحية الفرافير .. والتى قام ببطولتها مع عبدالسلام محمد وسهير البابلى وعبد الرحمن أبو زهرة ، وإخراج الفنان الكبير كرم مطاوع … وفكرتها بإختصار مخل .. العلاقة بين التابع والمتبوع الأسياد والعبيد.
وبعد عرض المسرحية أتهم النقاد والجمهور أبطال المسرحية وكاتبها إتهامات متضادة البعض اتهمهم بالترويج للديكتاتورية وأن العلاقة بين الفرفور والسيد علاقة أبدية لا سبيل إلى الفكاك منها .. والبعض الآخر اتهمهم بمعاداة الإشتراكية وعبد الناصر لأنها تقول أن الاشتراكية فشلت في حل العلاقة بين الأسياد والعبيد
جرى ذلك عام 1964 ولما زادت الحملة عن حدها قرر يوسف إدريس أن يكتب توضيحًا بدأه قائلًا: كنت ولا أزال أعتقد أن من واجب الكاتب أن يلزم الصمت إزاء المناقشات التى تدور حول عمله بإعتبار أنه لا يملك أن يضيف من عنده ما ينقص أو يزيد من مفهوم العمل نفسه ولكن المناقشات حول مسرحية الفرافير بدأ بعضها يأخذ اتجاها غريبا لا أعرف كيف أسميه! وإنما أعرف تماماً أنه خارج نطاق الفن والثقافة عامة، والكاتب ليس مسئولا فى رأيى عن أى مفهوم خاطئ يخرج به الناقد أو المشاهد أو القارئ وهو أيضاً ليس مسئولا عن الأراء التى يتبرع بها بعضهم، ولقد تبرع هذا البعض بآراء كثيرة يهمنى بصفة خاصة أن أدحضها هنا!!
الرد طويل جداً وسأضمه كاملاً في كتابي عن عمي توفيق الدقن والذي أعمل عليه من فترة طويلة .
لكن هنا سأورد أهم نقاط ما قاله دكتور يوسف إدريس فى مقاله حيث كتب يقول: نسب لى البعض أننى كتبت هذه المسرحية لأثبت أن العلاقة بين الفرفور والسيد علاقة أبدية لا سبيل إلى الفكاك منها ، وهو رأى لا أدرى من أين استقاه أصحابه أن المسرحية كلها صرخة احتجاج غاضب على هذا الوضع واستغاثة عاجلة لتغييره ، وإصرار على أن كل الحلول التى جربتها البشرية لم تحل بصفة قاطعة هذا الوضع المهين لكرامة الإنسان فهل يعد نقد هذه الحلول والمطالبة بحل جديد تشاؤما بمستقبل البشرية؟!
ووصل الأمر ببعض الزملاء إلى أن اتهموا المسرحية بأنها تتعارض مع الاشتراكية بإعتبار أنها لم تجد حلًا لمشكلة السيد، والفرفور فى الاشتراكية ، لقد كتبت هذه المسرحية كإشتراكى ثورى يؤمن أن الاشتراكية هى عملية تطوير مستمر للفكر الاشتراكى وللمفاهيم الاشتراكية ، وأى محاولة لغلق باب الاجتهاد فى الاشتراكية هى محاولة ضد الاشتراكية نفسها، لأنها محاولة لإلغاء قدرة الكائن البشرى على الخلق والتطور والارتقاء!
ويمضى د. يوسف إدريس قائلًا: كذلك ذكر الدكتور محمد مندور أن النص المقدم على خشبة المسرح غير النص الذى كنت قد قدمته للجنة القراءة ، والحقيقة أننى بعد تقديم النص المذكور إلى لجنة القراءة قررت من تلقاء نفسى أنه من المستحسن أن يدمج الفصلان الثانى والثالث معا بحيث ترد المحاكمة على ألسنة زوجة فرفور وزوجة السيد الميت وفرفور والسيد نفسه وعلى العموم فنص المسرحية سيكون بعد أيام فى متناول القراء ، وباستطاعة من فاته استيعاب أجزاء من المسرحية أن يرجع إليها فى النص ، وأنى متأكد أنه لو حدث هذا لزال الكثير من اللبس!
وينهى د.يوسف إدريس مقاله المهم بقوله: وما أسرعنا أحياناً فى ازجاء التهم دون تمحيص أو محاولة من جانبنا لفهم أعمال، ربما بذل أصحابها أعمارًا لإنجازها، ونستكثر نحن بضع ساعات نقف فيها أمامها وقفة المتأمل المحايد، وليس وقوف الباحث عن احتمال الخطأ المسارع إلى إطلاق الأحكام، وكلها أحكام متشائمة نزعم بها أننا ندين التشاؤم ونندد به!
يجب أن نتعلم جميعاً كيف نثق أكثر فى أنفسنا وفى بعضنا البعض، وكيف ننبذ سوء النية والترصد!
أنى كاتب ملتزم وأهون عندى ألف مرة ألا أكتب بالمرة، من أن أكتب عملًا أشعر من بعيد أو من قريب أن الرؤية المسرحية التى تبتكر لتجسيد هذا العمل هى ضد ما أؤمن به وأعتقد.
“توفيق الدقن ” أيضاً لم يكن بعيداً عن حرب الإستنزاف وحتى نصر أكتوبر .. وقتها كانت توجهات الدولة أن يذهب الفنانين بمسرحياتهم للمحافظات ويقدمن عروض للجنود على الجبهة .. وشارك الفنان الكبير توفيق الدقن فى كل هذه العروض تقريباً .. وبحسب ما ذكره لى الفنان الكبير حمدى الوزير والذى حضر أحد العروض فى بلده بورسعيد ..
وقتها بكى توفيق الدقن على المسرح بعد عرض المسرحية التى كانت تتحدث عن المقاومة وتبث الأمل فى نصر قريب .
أما عن “السياسة” فى أعمال توفيق الدقن سواء المسرحية أو السينمائية فحدث ولا حرج ..فلم يخلو عمل من نقاش سياسى دفع الدقن ثمنه أما بهجوم من الناس واتهامات ما أنزل الله بها من سلطان كما حدث فى مسرحية الفرافير ..أو تضييقات رسمية على عمله وموهبته ليعيش فى جسد أضيق كثيراً من موهبته الفذة.
على سبيل المثال في مشهد التوبة، فى مسرحية سكة السلامة، لا يترك “توفيق الدقن” للمشاهد مساحة تخيل. نحن أمام أعلى درجات التقمص والحلول، أمام ممثل عيناه وقلبه في السماء وقدماه على الأرض فقط من باب إثبات الوجود بيننا ليس إلا.
نحن أمام هارب من الوقت والذنب معاً، يبحث دائماً عن خلاصه في الدور الممثّل ودنياه البخيلة في آنٍ… هنا يعرض لنا موقف الناس من الحياة الصعبة التى تعاش بلا أمل ..يمثل لنا الأجير الذي يسترضي صاحب العمل ليأخذ حق عرقه ثم يلعن الظروف التي لم تمهد حياة كريمة كما تمنى، الغنسان الممنوح حرية مشروطة، المحروم من أشكال الخير التي يتوقها، الإنسان المغلوب على أمره حسبما قدرت الأقدار.
اذن “السياسة ” فى سكة السلامة حاضرة بقوة ليس من مشهد التوبة فقط ..ولكن من المشهد الأول ..حافلة كبيرة تضم عدداً من الأنماط البشرية في لحظة غائمة لا يبدو فيها الطريق واضحاً يشير راكب على السائق بطريق مغاير لطريق المجموعة من أجل مصلحته الخاصة مما يؤدي بهم إلى حقل ألغام في قلب الصحراء تقع فيها الحافلة ولا سبيل للنجاة..
المسرحية كتبها العبقرى سعد الدين وهبة مسرحيته و قدمها المسرح القومي عام 1965 قبل هزيمة يونيو بعامين فقط وكأنها تحذر من الهزيمة وتقدم أسبابا كثيرة للتيه الذي دخلت فيه االبلد بسبب حكامها أو الرؤية الغائمة للحكم والخاسر الأكبر هم الناس .
ركاب الحافلة يمثلون معظم المجتمع بكل أطيافه وتزداد الأزمة بالصراع الإنساني بين الجميع حول النجاة حين يظهر شخص معه عربة ولكن لديه مكاناً لشخص واحد فقط.
يبدأ الجميع في محاولة جذب السائق وإغرائه بكافة السبل للحصول على رضاه واصطحابه للنجاة، وتنتهي المحاولة بحرق السيارة، ويصبح السائق أيضاً رهينة الصحراء والتيه…ولا يقبى مجال للنجاة فهم الآن بين ثلاث سكك: سكة السلامة، وسكة الندامة وسكة اللي يروح ما يرجع.. حينئذ يوقن الجميع بأن الموت سبيلهم ويبدأ كل منهم في الاعتراف بخطاياه في محاولة للتقرب من الله واللجوء إليه ليهديهم طريق السلامة وعندها يأتي فرج الله وكرمه عليهم ليحصلوا على سكة السلامة.
الأمر نفسه تكرر فى مسرحية سابقة على “سكة السلامة هى مسرحية “المحروسة ” والتى كتبها أيضاً سعد الدين وهبة وقدمها توفيق الدقن على المسرح عام1961 والتي تدور أحداثها في مصر قبل ثورة يوليو بثلاث سنوات، في قرية مصرية حول جريمة قتل، والأحداث بين صراع مأمور القسم والضابط الشاب الذي يسعى للعدل وليس لمجرد إغلاق القضية بوجود متهم حتى لو كان بريئا.
يصمم الضابط الشاب على أن العدل أساس الحكم ، ورغم أن أحداث المسرحية تدور قبل الثورة إلا أن كثيراً من النقاد اعتبروها تشير إلى ثغرات بدأت تحدث في ثوب الثورة.
المسرحية تتناول أشكال الظلم الاجتماعي، بعد إلصاق التهمة بشخصٍ بَريء، وتجسِّد “المحروسة” مجموعة من الشخوص المتباينة، وتغوص في أعماق النفس البشرية، ورصد التغيُّرات الإجتماعية سواء في الريف أو المدينة، والصراع بين القديم والجديد.
وتحتشد “المحروسة” بعددٍ كبير من الشخصيات، منها مفتش الصحة المنافق، والخواجة الخبيث، إلى جانب الفلاح الشاب المغلوب على أمره ، وأم عباس قارئة الفنجان وصانعة الأحجبة وبائعة المناديل، وزوجة المأمور التي تعيش حياة الدجل والسحر، وتتوهم أنها صاحبة سطوة، وتصطدم بزوجة وكيل النيابة للسيطرة على مقاليد الأمور ليجتمع حولها النساء، وعبده مدُرِّس الإلزامي، والضابط الذي يتضامن مع وكيل النيابة في إرسائه العدل ومحاولته إنصاف المظلومين.
وكادت المسرحية أن تحدث أزمة لولا أن كاتبها كان من الصف الثانى للضباط الأحرار وكان هناك عقلاء اعتبروها نقد محب … لكن توفيق الدقن لم يخاف أو يجبن ولم يتوقف عن تقديم أعمال سياسية ..وكان هذا أحد أهم الاسباب لعدم حصوله على بطولة مطلقة فى السينما ..وتضييق فى الرزق لإجباره على التوقف وتقديم أعمال اطلقوا عليها الضحك للضحك بلا نقاش أو إثارة جدل ..لكنه أبدا لم يتردد فى تقديم المزيد فأكاد أجزم أن الـ 400 مسرحية التى قدمها على خشبة المسرح لم يخلو منها موقف سياسى واضح رافض للظلم والفساد والإفساد… ففي مسرحية السبنسة يناقش الثنائى الناجح جداً “الدقن – وهبة”من جديد رغم التهديدات الظاهرة والباطنة قضية الظلم والاتهامات الملفقة لعدد من الشباب من خلال عسكري يعثر على قنبلة في طرف القرية .
يقدم العسكري القنبلة لمسؤول نقطة الشرطة الذي يطلب منه أن يضعها مكانها حتى يبلغ المسؤولين، ولكن القنبلة تسرق ويضعون مكانها حديدة لتبدأ حالة من الكذب والخداع يشارك فيها الجميع من وكيل النيابة إلى الضابط المحقق إلى ضابط القلم السياسي انتهاء بالحكمدار..
فالجميع يعرفون أن القنبلة الحقيقية سُرقت وأن الموجودة حديدة، لكن ولكي تُستكمل القضية يقع الاتهام على شباب مظلومين وشهود زور وضحايا من كل الفئات.
تنتهي المسرحية بالتحذير من القنابل الحقيقية، والظلم والتلفيق في الاتهام، وسجن المظلومين زوراً إذ إن غياب العدل وتفشي الظلم والقهر للفقراء هو القنبلة التي ستنفجر في وجه الجميع وحينئذ سيكون ركاب السبنسة المظلومون في الدرجة الأولى، أما الظلمة: الحكمدار ووكيل النيابة والضابط والصول فسيكونون في السبنسة ذاهبين إلى السجن…لاحظ أننا نتحدث عن مسرحية قدمها توفيق الدقن عام 1962 .
مسرحية أخرى لتوفيق الدقن هى «عيلة الدوغري»، تناقش بقوة ضياع الطبقة المتوسطة والحال الذى آلت اليه وما نزل بها من تفكك وأنانية بعد أن مات عائلها الثري أو الذي كان ثريًّا ثم فقد ثروته، ولم يَبْقَ منها غير بيت بالحلمية القديمة هو كل الميراث، فتؤدي الضائقة المالية، والصراع على الحياة وشدة الأنانية، التي كثيرًا ما تُحَطِّم أُسَرَ الطبقة الوسطى، إلى إظهار جوهر كلٍّ من الأخوة الخمسة الذين تتكون منهم عائلة الدوغري التي كانت تعيش في مودة وسلام أيام الرَّخاء الذي استطاع رب الأسرة أن يُوفره لهم، بدأبه وحرصه، بل وبُخْله الشديد حتى مع عم «الطواف» الذي خدم هذه الأسرة في المخبز، وفي البيت حتى بلغ السبعين من عمره، وظل حافيًا طوال حياته، بل وينصحه أحد أبناء الأسرة بأن ينهي حياته كما بدأها حافي القدمين.

عفاريت

فى السبعينات لم يتوقف توفيق الدقن أيضاً عن تقديم مسرحيات سياسية ومنها كنموذج مسرحية عفاريت مصر الجديدة والتى قام الدقن ببطولتها سنة 1971، وتدور حول سيدة في منتصف الثلاثينات، تدخل إلى قسم مصر الجديدة في الحادية عشر مساء، لعمل محضر باختفاء زوجها وقالت ان ذلك ماحدث في لحظة انطفاء الكهرباء لمدة ثانية واحدة، ولا يصدق ضابط الشرطة روايتها إذ كيف اختفى زوجها أستاذ القانون بجامعة القاهرة والشقة مغلقة، وتتوالى البلاغات باختفاءات مشابهه في أماكن متعددة بنفس الطريقة .
ويلاحظ الضابط أن ٍ هناك سمات متشابهة لدي كل المختفين… فالمختطفون جميعاً يتمتعون بالمرح، وإن مقاس احذيتهم واحد (40) في إشارة الي توافق المختفين، ( أبناء تيار واحد – أبناء جماعة واحدة – أبناء ثورة واحدة).
يبدأ ضابط الشرطة بطل المسرحية البحث، وعمل اللجان لكي يكشف غموض الجريمة، التي تتوالى في الشارع، ولا إشارة سوى أن الخاطفين، هم أقوى من جهاز الشرطة، ويستمر الوضع هكذا، حتى يعود إثنان من المختفين، هم أستاذ القانون وصحفي بأحد الجرائد، يعمل في بابي ” حظك اليوم والكلمات المقاطعة”.
وعند اكتشاف الحقيقة وبسبب التعذيب يتحول أستاذ القانون الذى لعب دوره توفيق الدقن إلى صاحب معهد للرقص الشرقي، والصحفي إلى قارئ للطالع .
مسرحية «عفاريت مصر»، وهى من أجمل المسرحيات التى قدمها للمسرح القومى، ومن المفارقات المؤسفة والحزينة أن تستخدم بعض المواقع فى 2020 الصورة لتوفيق الدقن بزى رياضى يدرب الفتيات على الرقص ويزعم انها صورة حقيقية له بعد أن سكر فى أحد الملاهى الليلة !!
إذا كان هذا ما قدمه توفيق الدقن فى المسرح ..فماذا عن السينما ..هل غابت السياسة عنه … الحقيقة أن توفيق الدقن استطاع ان يفرض موهبته وشخصيته على الأدوار التى تصدى لها فى السينما كما المسرح ، سواء كانت تحتل حيزاً كبيراً من الأحداث أو عابرة، فقدرته التمثيلية كانت مثار الإعجاب بشكل دائم، ومن خلال جمل بسيطة وعبارات قليلة، اضاف لشخوصه ثقلاً وقيمة ما كانت لها أن تحصدها لولا وقوفه خلفها ودفعها من ظلاميتها وهامشيتها إلى بقع أرحب من النور والأضواء، مستعيناً بثقافة حياتية وفهم جيد لتلك الأنماط البشرية التى تناولها ودون أن تفقد مزاياها الأصيلة، بل كان يحرص على إضافة ما يتلاءم معها من تفاصيل صغيرة تعبر بها إلى بر الأمان.

القاهرة 30

على سبيل المثال فى فيلم «القاهرة 30» 1966 للمخرج صلاح أبو سيف نجد المعلم “شحاتة الترك” الذى يدفع ابنته دفعا للرذيلة وكأنه يفعل شيئاً مشروعا، وبأريحية يغلب عليها الثقة والشعور بالرضا مستخدما تعبيرات واشارات تجعل المتلقى يتغافل ولولا قليلاً عن قبح المسعى مستسلما لعبقرية الأداء.
يحكي الفيلم قصة المجتمع المصري أيام الثلاثينات ويقدم لنا نماذج بشرية تمثل شرائح معينة، قدمها أبو سيف بشكل واقعي مقنع وجعلنا نتعاطف معها بالرغم من سقوطهم عند أول مواجهة.. وهو بذلك يحدد الحل الجذري بالثورة والتغيير الكلي للمجتمع. ففي مشهد النهاية الذي كله أمل وثقة بحتمية الثورة وقيامها، نرى الشاب الثوري وهو يطوف بين الناس الخارجين من المسجد بعد صلاة الجمعة، ويرمي منشوراته في الهواء لتبدو وكأنها طيور الحمام الأبيض التي ترمز للسلام. هنا يضع أبو سيف الحل لهذا الفساد المتفشي في قيام المجتمع الاشتراكي.
وفى فيلم «ليل وقضبان» 1973 للمخرج أشرف فهمى تبدو القسوة والشدة ملامح كاشفة لشخصية تعشق الايذاء من خلال الصول “الشرنوبى” الذى ينجح فى فرض سطوته على المساجين، حتى تمتد لمأمور السجن الذى ينجح فى تكبيله وتقييده ليصبح الآمر الناهى على الجميع.

في الأرياف


أما فى «يوميات نائب فى الأرياف» 1969 رجل السلطة الذي يرسخ للفساد والمحسوبية، ويحرك الأحداث وفق إرادته ضارباً بالقانون واللوائح عرض الحائط، ويبدو الأمر متكرر فى «نداء العشاق» 1960عندما يجسد دور “رجب” ملاحظ البنات والذى يستغل حاجتهن للعمل ويدير الأمور وفق مصالحه، أما دور “الدباغ” ضابط القلم السياسى فى فيلم «فى بيتنا رجل» 1961 لكمال الشيخ كان علامة بارزة فى تاريخه الفنى .
ويعتبر “الدقن” أكثر من أجاد تقديم هذه النوعية من الأدوار، انها صور عديدة للشر، جاء تناولها متماشيا ومواكبا للظروف الإجتماعية والثقافية لكل شخصية على حده، والملفت للأمر انها جميعاً صارت فى اتجاهات مختلفة لتصل إلى منطقة الاجادة والتميز.
الخلاصة عندما نبحر فى شخوص “الدقن” نجده نجح فى ترويج العديد من الأدوار الهامشية والتى كانت تحتاج لممثل محترف قادر على تقديمها بشكل يثير الدهشة والتوهج، وربما هذا ما كان يدفع كبار المخرجين للجوء إليه ليفك لهم طلاسم شخصيات بدت على الورق باهتة، مثل شخصية “عبد الشكور” فى الفتوة، والذى على غير المعتاد كان هو رغم ان البطولة ليست له هو صاحب المشهد الأخير فى الفيلم عندما يقول: “هو كل الناس عايزة تبقى فتوات ..امال مين اللى هيضرب”
والأمر نفسه تكرر فى دور ”شيكو” فى فيلم «بورسعيد»، و”حاكم عكا” فى «الناصر صلاح الدين»1963، و”بدران” فى «أدهم الشرقاوى» 1964، وحتى ”الباز أفندى” فى «ابن حميدو» 1957، و”عبده” في (درب المهابيل 1955، الارض 1970، خرج ولم يعد 1984، المذنبون 1976، مولد يا دنيا 1976، الشيطان يعظ 1981، سعد اليتيم 1988)، وكلها أعمال متميزة لم تقاس فيها أدواره بمساحة الدور أو حجمه، فلم يكن يشغل باله هذه الأمور، لانه يصنع منها ومضات تزين تاريخه السينمائى،
ويكفى توفيق الدقن فى عدم اهتمامه بمساحة الدور ان نشير هنا لمشهدين فقط فى فيلم «ضربة شمس» 1980 للمخرج محمد خان أثبت أن الكبار يصنعون الأدوار ويحلقون بها ويعطون الدرس بأن القيمة تأتى دائما بتراكم السنين وتلال الخبرات المتعاقبة التى اكتسبها عبر رحلة طويلة من الإبداع, فلم يتجاوز ظهوره دقيقتين علي أكثر تقدير, ورغم ذلك كان الأداء بارعاً ومن أسهل طريق وصل للذوبان في مشهد عابر يسجل في تاريخ الاداءات الرفيعة.
المؤكد أن اعمال توفيق الدقن السينمائية تحتاج لعدة مشاهدات وكثير من المراقبة والتدقيق حتى نكتشف الجوانب المضيئة والتى تم اغفالها عن عمد، فعبقريته “الدقن” لا يمكن أن نوجزها فى تلك اللزمات والايفيهات التى تلقى رواجاً كبيراً بين جموع الجماهير والمنتشرة بكثافة على مواقع اليوتيوب والتواصل الإجتماعى والكوميكس وتزاحم تلك الافيهات حتى اليوم عمالقة الكوميديا، فالأمر لم يكن يتطلب خفة ظل فقط، بل قدرة على التواصل مع الجماهير وفهم جيد لرغباتهم ومدى استيعابهم لما سيلقى عليهم دون ان يخطئ الهدف وتصبح “اللزمة” مدعاة للملل والضجر مع كثرة المشاهدة.
فى النهاية يبقى السؤال الأكثر ارباكا … هل نال توفيق الدقن ما يستحقه من شهرة ونجومية وتحليق؟
واقع الأمر يقول انه لم ينل حقوقه كاملة، وتعرض لظلم مارستها عليه السينما الكسول والنمطية والاستسهال من المخرجين فى الظاهر وفى الباطن أن التعليمات كانت دائما ألا ينال توفيق الدقن أكثر من ذلك ..ورغم كل ذلك فإن ما حققه من حب وتقدير واحترام وخلود لدى جماهيره، إضافة الى اسمه وتاريخه ناصع البياض يجعل منه موهبة رفيعة وصلت لأرفع مراتب النجوم واحتل بها الصفوف الأولى باقتدار لا يقبل الشك أو التأويل، فرصيده داخل قلوب الجماهير لن يفنى وفى حالة ازدياد بشكل دائم.

شهيرة النجار

Welcome to حكايات شهيرة النجار

Install
×