فرأيت مخلوقات ثابته ، تظنها من الهدوء ساكته ولكنها فى ذكر الرب خافته ،
فقلت : من أنتم ، فإنى طالب الحب والوداد ؟
فقيل : نحن (( عالم الجماد ))
قلت : هلا كشفتم لى عن الأسرار ، وأفضتم على روحى أنوار ؟
ثم قلت : لقد سمعت أن للجماد إرادة…فما هى ؟
فقيل لى : ألم تسمع ما جاء بسورة الكهف قوله تعالى
(( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ))
فأثبت الله لنا إرادة ، ومطالب بلا هوادة
إرادتنا : هى طاعة الله وتنفيذ إرادته
وإلى أحدنا كان مأوى فتية الإيمان، وبعدهم عن الأوثان ومكوثهم فترة من الزمان ،
قال تعالى ( إذ أوى الفتية إلى الكهف )
وقال عزوجل ( ولبثوا في كهفهم ثلاث ماءة سنين وازدادوا تسعا )
أليس الكهف واحدا من عالم الجماد ؟!
قلت : بلى
- قلت : لقد سمعت أن لكم مع الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم أمور شتى فهلا تفضلتم بها علينا ؟
فقيل لى : لنا مع رسول الله أربعة هى
(( محبة – تسبيح – أنين – سلام ))
أما المحبة : فانظر إلى جبل أحد أليس بجماد ؟!
- قلت : بلى ، ولكنه من عالم الجبال
فقيل : نعم غير أن له عندنا سر وحال
لقد قال صلى الله عليه وسلم ( أحد جبل يحبنا ونحبه ) فقد تعلق جبل أحد بأقدام رسول الله عندما صعد عليه واهتز أحد فرحا ، ومال من غرام المصطفى عجبا فلولا أن الحبيب ترفق به ماترك الجبل رسول الله
فقال ( أثبت أحد ) فثبت..
وأما التسبيح : فقد كان الحصى يسبح في كف النبى صلى الله عليه وسلم
وأما الأنين : فهذا حال الجذع الذى أن وبكى
وأمام جموع الصحابة اشتكى ، فنزل إليه رسول الله ووضع يده الشريفه عليه فسكن الجذع لما أقبل النور إليه
وأما السلام : فإن كل واحد بعالمنا يهيم غراما فى ذات النبى الأكرم صلى الله عليه وسلم ، ألم تسمع ما قاله أسد الله الغالب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
يقول ( كنت مع رسول الله بمكة فما مررنا بشجر أو حجر إلا ويقول ” السلام عليك يا رسول الله ” )
قلت : وما حالكم مع ساداتنا الأنبياء عليهم الصلاة السلام ؟
فقيل لى : لنا مع موسى الكليم عليه السلام ثلاثة
( الحجر – العصى – التابوت )
أما الحجر : فضربه بأمر الله فانفجرت اثنى عشر عينا
وأما العصى : فكان لها الهش على الأغنام ، وإخراس الكفار وذلك بما جرى يوم الزينة ، ومآرب أخرى
وأما التابوت : ففيه قذفته أمه باليم ، ليكون لفرعون حزنا وهم
- قلت : إن يوسف الصديق عليه السلام له أيضا معكم أمور
عليها كان السر يدور …فما هى ؟
قيل لي : أجب أنت
قلت : (( القميص )) ذو السر والتخصيص
له ثلاث أحوال مع يوسف عليه السلام
هى ( الكذب ، البراءة ، الشفاء )
أما الكذب : فقد استعمل إخوة يوسف القميص أداة للكذب على أبيهم يعقوب عليه السلام
قال تعالى ( وجاؤا على قميصه بدم كذب )
وأما البراءة : فكانت من نصيب يوسف لما رمته إمرأة العزيز بالفاحشة قال تعالى ( وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين )
وقوله تعالى ( فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم )
وأما الشفاء : فكان ذلك من نصيب يعقوب عليه السلام
لما ابيضت عيناه من الحزن المتواصل، كان الشفاء بسر إبنه له حاصل
قال تعالى على لسان يوسف ( اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا )
وقال سبحانه ( فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا )
ثم قلت : ولكم أيضا حال آخر بين يوسف وإخوته
وهو ( الصواع ) فقد ورد بالقرآن ( قالوا نفقد صواع الملك )
فقد جعله الله حجابا ، ليكون لوصال الأحبة بابا
قيل لى : نطقت بالعجاب ، وذلك لب الألباب
قلت : ولكم أيضا ( جبا ) قد التمس فيه للذات حبا
وهو ( الجب ) الذى ألقوه فيه إخوته
فقيل لى : وهل تعلم لماذا ساقته الأقدار إلى الجب ؟
قلت : هناك أكثر من حكمة وأكثر من سر
ولكنى سأقول لكم ما ألهمنى به الله
ففى غيابات الجب كانت الخلوة الأولى ليوسف عليه السلام
ولكونه كان طفلا ، فلا ينبغى أن تزيد خلوته عن أيام
ففيها وجد الأنس بالواحد القهار ، من غير اعتماد على الأغيار
وظلت رحلته فى غيابات الجب ، محفورة عنده بالقلب
حتى حدث له الابتلاء ، بزليخة والنساء
فقال ( رب السجن احب إلى مما يدعوننى إليه )
والسر فى ذلك ، أن يعود لما تذوقه بالجب هنالك
وهو ( الإنغماس فى عين بحر الوحدة )
لذلك قال القطب عبد السلام بن مشيش فى صلاته
( واغمسنى في عين بحر الوحدة حتى لا أرى ولا أحس ولا أجد إلا بها )
قيل لى : ما كنا نظن إنك ستجيب ، أيها اللبيب
قلت : ما هى مناجاتكم بحضرة ربكم
فقيل :
سبحان من أوجد كل متحرك وساكن
سبحان خالق الأزمنة والأماكن
سبحان الرب المحبوب
سبحان علام الغيوب
..
شهيرة النجار



and then