وُلدت في المدينة المنورة في نحو السنة الخامسة أو السادسة للهجرة، ونشأت في بيتٍ اجتمع فيه نور النبوة والعلم والزهد والشجاعة، فكانت طفولتها في ظلال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كنف أمها الزهراء وأبيها عليٍّ رضي الله عنهما، فشبّت على الإيمان والتقوى والحياء.
تزوّجت من عبدالله بن جعفر الطيار رضي الله عنهما، وكان جواد بني هاشم المشهور بالسخاء، وأنجبت منه عددًا من الأبناء، من أشهرهم: علي، وعون الأكبر، ومحمد، والعباس، وأم كلثوم، وقد استُشهد ولدَاها عون ومحمد مع خالِهما الإمام الحسين رضي الله عنه في كربلاء سنة ٦١ هجرية ـ، فزاد ذلك من عمق ابتلاءاتها وصبرها واحتسابها. عُرفت السيدة زينب بالفصاحة والبلاغة وقوة البيان حتى لقبت بـ“عقيلة بني هاشم” و“عالمة آل البيت”، وكانت من أهل قيام الليل وكثرة الذكر والتهجد والصدقة، فاجتمع لها شرف النسب مع العمل الصالح.

وعندما وقعت مأساة كربلاء ظهرت شخصيتها العظيمة في أبهى صورها؛ فثبتت القلوب، وربطت الجأش، وخطبت خطبًا بليغة في الكوفة والشام أظهرت فيها روح الإيمان والعزة دون تكلف ولا خوف، حتى قال المؤرخون: “لو لم تكن زينب امرأة لكانت خليفة”، لما رأوا من حكمتها وثباتها. وبعد هذه الأحداث وفي ظل اضطراب الأوضاع خرجت إلى مصر، فأقامت بها مكرمةً معظّمة في عهد مسلمة بن مخلد الأنصاري، واتخذت من بيتها في الفسطاط موضعًا لمجالس العلم والذكر، فالتفّ حولها الناس محبةً وإجلالًا لقرابتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفيت سنة ٦٢ هجرية ـ تقريبًا ودُفنت في الموضع المعروف اليوم بمسجد السيدة زينب بالقاهرة
أما مكانتها عند أهل التصوف فكانت عظيمة؛ يرون فيها مثالًا لكمال الأدب مع الله، والصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، ويعدّون سيرتها مدرسة للسالكين في الثبات والزهد وخدمة الخلق، وكثير من طرق التصوف تجعل محبتها من محبة آل البيت، ويكثر ذكرها في الأوراد والموالد، ويصفها بعضهم بـ“كريمة الدارين” و“أم العواجز” إشارة إلى عطائها للضعفاء وأصحاب الحاجات، ويقصد الناس مقامها للذكر والدعاء والصدقة، لا لاعتقاد الضرر والنفع بذاتها، ولكن محبةً لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتبركًا بدعائهم وصلاحهم.

ومن أقوالها المنقولة ما يدل على قوة يقينها، ومن أشهر ما نُسب إليها قولها بعد كربلاء: «ما رأيتُ إلا جميلًا»، تقصد أن ما جرى هو بقضاء الله وقدره، وأن جماله في ثوابه ومآله، وهذا القول – وإن اختلف المؤرخون في توثيق لفظه – يعبر تمامًا عن روحها الراضية المحتسبة. وكانت تنصح بالصبر والصدق والتمسك بالحق، وتحث النساء على الحياء والعفة وخدمة الدين.
ثبتت أحاديث صحيحة في فضل آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم»، وهي تشملها دخولًا وأصلاً، منها قوله صلى الله عليه وسلم في أهل بيته: «أُذَكِّرُكم اللهَ في أهلِ بيتي» ثلاثًا، وقوله في الحسن والحسين: «اللهم إني أُحبهما فأحب من يحبهما»، وهي بنت فاطمة وأخت الحسن والحسين، فلها نصيب من هذا الفضل والقرابة بلا شك. كما يكفيها شرفًا أن الله تعالى قال في أهل البيت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهي داخلة في هذا الوصف الكريم على قول كثير من أهل العلم.

وهكذا اجتمعت في السيدة زينب رضي الله عنها المكانة والنسب والعلم والعبادة والصبر والشجاعة، وكانت حياةُها من مولدها بالمدينة إلى مقامها في مصر سيرةَ امرأةٍ مؤمنةٍ عظيمةٍ حملت همّ الدعوة والحق، وكانت سندًا لأهلها وأمتها، فاستحقت أن تبقى ذكراها حية في قلوب المسلمين، رضي الله عنها وأرضاها وجمعنا بها في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
شهيرة النجار



and then