سورة العصر، رغم أنها من أقصر سور القرآن الكريم (ثلاث آيات فقط)، إلا أنها تُعد “دستوراً للحياة” ومنهاجاً شاملاً للنجاة. حتى قال عنها الإمام الشافعي رحمه الله: “لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم”.
إليك عرض مبسط لكيفية شمول هذه السورة لكل جوانب الفلاح الإنساني:
1. الزمن هو رأس المال (والعصر)
يبدأ الله عز وجل بالقسم بـ “العصر” وهو الوقت. هذا القسم يلفت انتباهنا إلى أن الزمن هو أغلى ما يملكه الإنسان؛ فهو المادة الخام التي نُشكل بها مصيرنا. كل دقيقة تمر هي جزء منك يذهب ولا يعود، ومن هنا تأتي أهمية استغلال العمر فيما ينفع.
2. الحقيقة الصادمة (إن الإنسان لفي خسر)
تضعنا السورة أمام حقيقة وجودية: “الأصل في الإنسان الخسارة”. لماذا؟ لأن الوقت يتآكل، والإنسان في تراجع مستمر نحو نهاية أجله. الكل خاسر إلا من استثمر وقته في أربعة أركان أساسية، وهي التي تشكل “خارطة الطريق” للنجاة.
3. أركان النجاة الأربعة (الشمولية)
لقد لخصت السورة مقومات النجاح في الدنيا والآخرة في أربع نقاط، تجمع بين تطوير الذات وإصلاح المجتمع:
الإيمان (آمنوا): وهو الركن المعرفي والقلبي. أن تعرف الحق، وتؤمن بالله، وتضع لنفسك غاية كبرى تتجاوز حدود المادة. هو “البوصلة” التي توجه أفعالك.
العمل الصالح (وعملوا الصالحات): الإيمان بلا عمل هو مجرد أماني. العمل الصالح هو تحويل القناعات إلى واقع ملموس (عبادة، إتقان في العمل، بر والدين، إعمار للأرض).
التواصي بالحق (وتواصوا بالحق): هنا ينتقل المسلم من دائرة “الصلاح الفردي” إلى “الإصلاح الجماعي”. النجاة ليست فردية؛ بل يجب أن نذكر بعضنا بالخير، وننشر الوعي، ونقف بجانب الحق في مجتمعاتنا.
التواصي بالصبر (وتواصوا بالصبر): لأن طريق الحق والعمل والنجاح مليء بالعقبات، كان لابد من “الصبر”. الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله.
الخلاصة: لماذا شملت كل شيء؟
سورة العصر شملت كل شيء لأنها ربطت بين:
العلاقة مع الله (الإيمان).
العلاقة مع النفس (تزكيتها بالعمل).
العلاقة مع الآخرين (النصح والتواصي).
أدوات الاستمرار (الصبر).
إنها تخبرنا أن السعادة ليست في جمع المال أو الجاه، بل في استثمار “الزمن” المحدود لبناء “أثر” باقٍ لا ينتهي بموت الإنسان.
الدكتور مصطفي محمود
شهيرة النجار



and then