ليس كل ما يظهر في ظاهر النفس من نيةٍ صالحةٍ دليلًا على كمالها، فكم من طلبٍ في صورة الطاعة تخفي النفس تحته تدبيرًا خفيًا ومعاملة مشروطة مع الله. ومع التفكر في دقائق الطريق وسرائر السلوك، نرى كيف تتسلل غفلة الاشتراط إلى قلب السالك، حتى وهو يظن أنه من المنيبين.
في مدارج القرب ومسالك الفناء، تتنكر النفس أحياناً بلباس الطاعة، وهي تخفي في طياتها مساومة خفية مع الحق، فتتوسل: “لو تغيّر حالي لانصرفتُ للخدمة”، غافلة أن في هذا القول شبهة اعتراض على التدبير الإلهي. إنه تدبير مستتر من نفس لم تذق بعد حلاوة التسليم.
سيدي ابن عطاء الله السكندري، ترجمان العارفين ولسان أهل الكشف، هدم بكلماته الصادعة صروح التدبير، فقال في حكمه التي تهز أركان النفس:
“لا تطلب منه أن يُخرجك من حالةٍ ليستعملك فيما سواها، فلو أراد لاستعملك من غير إخراج.”
فهذا القول وحده كفيل بتفكيك عقد الاشتراط، إذ العبد لا يُستعمل لوفرة حاله أو تمام صحته، بل يُستعمل بإرادة مولاه كيفما شاء.
وقد أبان القطب المحقق سيدي محيي الدين بن عربي في “الفتوحات المكية” (ج2، ص312) حقيقة هذا المقام، فقال:
“العارف يرى القدر جاريًا في كل حال، كجريان الدم في العروق، فلا يشترط على ربه حالاً، بل يرى كل حالٍ قادماً من حضرة الأحدية.”
أما سيدي عبد الكريم الجيلي، قطب دائرة الفناء، فقد جسّد هذا المعنى في قصيدته “نهاية الإدراك” كما في مخطوطات الزاوية الجيلانية:
أراني كالآلات وأنت محرّكي
أنا قلمٌ والاقتدار أصابعُ
فكلُّ امرئٍ يعمل بالله والذي
يزعم بغير الله إنّه جاهلُ
وهذا هو ذروة التسليم: أن ترى نفسك آلةً في يد الصانع، لا حول لك ولا قوة إلا به.
ويشرح الجيلي في “الإنسان الكامل” مراتب الأولياء بقوله:
المجذوب السالك: الذي انكشفت له الحقيقة، فسلك بلا اختيار، كالطير يحمله الهواء حيث يشاء.
السالك المجذوب: الذي بلغ بالمجاهدة مقام الجذب، فسار بقدم المجاهدة حتى حمله موج الجذب.
وقد سبق إلى هذا المعنى سيدي أحمد الرفاعي الكبير في “البرهان المؤيد”، حيث قال:
“لا تظنن أن الخدمة مقيدة بصحة الأبدان أو سعة الأرزاق، فرب مضطجع على فراشه أعظم خدمة من قائم ينتظر الشكر.”
ويؤكد سيدي القطب الفذ علي وفا، شيخ الطريقة الوفائية وسلطان الموحدين، في “المواهب القدسية” هذا المعنى بقوله:
“من شهد لنفسه عملاً فقد أشرك، وإنما العبد ظلٌّ يتحرك بإرادة موجده.”
ويضيف في موضع آخر:
“الخادم الحق هو الذي يخدم بلا شعور بالخدمة، كالريشة في مهب الريح لا تعرف أين تتوقف.”
وقال ساداتنا العارفين قولتهم الذهبية:
“ليس للعارف إرادة يختار بها، بل هو موضع تجلي المشيئة الإلهية.”
أما سيدي عمر السهروردي، شيخ التربية والسلوك، فقد أنشد في “عوارف المعارف”:
إذا شاء ربي أن يسيّر عبدهُ
بلا قدمٍ تمشي الأرَضونَ له سرى
وإن شاء أن يُجري المياه بقبضةٍ
جرت ولو انقبضت يداه على الحُرى
فالأمر كله بمشيئته، لا بحركة العبد أو سكونه، فالمشيئة وحدها فاعلة، والعبد إنما هو محلٌّ للتجلي.
ويجمل سيدنا الإمام عبد الوهاب الشعراني هذا المعنى في “اليواقيت والجواهر”، بقوله:
“رب ساكتٍ صوته في العالمين كالرعد، ومتحركٍ حركته لا تعدو ظله.”
ويختم سيدي الإمام داود الطائي، هذه الحقائق بقوله:
“إذا طهر القلب من شوائب الاختيار، رأى كل حالٍ باباً إلى الحق، فما من وضعٍ أنت فيه إلا وهو محطةٌ إلى لقاء ربك.”
فالعارف لا ينظر إلى حاله، بل ينظر إلى من أقامه فيه. فإذا استقام النظر، استوت عنده جميع الأحوال، وسكنت النفس تحت سلطان الرضا.
بقلم : إسلام ثروت
شهيرة النجار



and then